Get Even More Visitors To Your Blog, Upgrade To A Business Listing >>

الحرب المفتوحة من الملاحدة على الله

"إن الله يحبس البربرية البهيمية داخلنا" ألكسندر سولز هنتزن
لم يعد الإلحاد شذوذا بشريا كما كان في القرون السالفة عندما كان  لا يمثل سوى استثناء في المشهد العقدي، أما اليوم فقد أصبح للملاحدة وجودهم الحقيقي في الخارطة العقدية البشرية، وأصبح لهم منظروهم ومنصاتهم ومؤلفاتهم وكتبهم وإذاعاتهم وفضائياتهم ومواقعهم على الأنترنت من فايسبوك وتويتر ويوتيوب وغيرها من مواقع التواصل الاجتماعي، التي من خلالها يمررون وينشرون إديولوجياتهم وأفكارهم ومخططاتهم بمكر وذكاء.
ولم يعد عمل الملاحدة اليوم عملا منعزلا يعتمد على الجهود الذاتية الفردية فقط، بل ثمة مؤسسات معنية بالدعوة إلى الإلحاد، ورعاية الملحدين، ودعم المؤسسة العلمانية، وضمان الفصل بين الدين والدولة، ومن بين المؤسسات الإلحادية الشهيرة عالميا على سبيل الذكر لا الحصر يمكن ذكر:
-التحالف الدولي للملاحدةAtheist Alliance International
-رابطة الملاحدة Atheist Nexus
- مؤسسة ريتشارد دوكنز لدعم العقل والعلم Richard Dawkins Foundation for Reason and Science
- الاتحاد الدولي للاتجاه الإنساني والأخلاقي International Humanist and Ethical Union
ومن الملاحظ أن ظاهرة الإلحاد التي كانت إلى وقت مضى جد خجولة لا يسمع لها وقع خطى ولا صوت لها يعلو فوق صوت التأدب والفضيلة والتخلق، أصبحت اليوم بمليشياتها أكثر فضاضة وعدوانية ووقاحة وسوء خلق فيما كل ما يتعلق بالدين ومبدأ التدين ومسألة الإيمان بالله، وما على المرء إلا أن يتصفح مواقع  الملاحدة على الأنترنت ليُصدم بمستوى الوقاحة والبداءة والعداء الشديد الذي يتميز به الخطاب الإلحادي الحاقد على الدين، لدرجة أنه يقترب من الهستيريا.  
حسب دراسة حول الأديان والإلحاد في جميع أنحاء العالم قام بها سنة 2015  الإئتلاف التجاري العالمي في مجال الأبحاث بين الشبكة العالمية المستقلة Worldwide Independent Network ومؤسسة غالوب الدولية Gallup International Association، يمثل عدد الملاحدة المقتنعين بإلحادهم 11% من مجموع سكان العالم، إلا أنهم يبقون أقلية إلى حد كبير في أفريقيا والشرق الأوسط، وليسوا أكثرية إلا في الصين حيث يمثلون نسبة 61%.
وخلافا للاتجاه العالمي الملحوظ طوال القرن العشرين، لم يتقدم الإلحاد في السنوات الأخيرة، ففي سنة 2012  كشفت دراسة أجرتها نفس المجموعة أن نسبة الملحدين كانت تمثل 13% من مجموع سكان العالم، وجاء على رأس الدول الأكثر تدينا التايلاند حيث لا يمثل فيها الملاحدة سوى نسبة 1% من مجموع سكان البلد، متبوعة بأرمينيا وجيورجيا ثم المغرب، أما الدول الأكثر إلحادا بالإضافة إلى الصين فهي اليابان والسويد وجمهورية التشيك.
وتعتبر أوروبا الغربية المنطقة الأكثر إلحادا في العالم حيث تصل نسبة الملحدين فيها إلى 57%، وعلى العكس من ذلك تنخفض نسبة الملاحدة بأفريقيا إلى 14%، حيث تبلغ في الجزائر 10%، وفي المغرب 7%، وفي كينيا 11%، وما زال الملاحدة أقلية إلى حد كبير في منطقة الشرق الأوسط حيث لا يمثلون سوى نسبة 18%ـ، وفي أمريكا الوسطى نسبة 19%.
منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001 واصطدام الطائرتين ببرجي التجارة العالمي، ترسخ في وعي الملاحدة على أن قضية الإيمان والتدين باتت مهددا حقيقيا للبشرية من بعدما ظلت ردحا من الزمن قضية شخصية متعلقة بالأفراد ولا تستفز الملاحدة كثيرا من قريب أو بعيد، إلا أن الأمور تغيرت بعد هذا الحادث، ولم يعد التزام الهدوء والحيادية من الدين خيارا مقبولا لدى الملاحدة، لذلك شمروا في جميع أنحاء العالم على سواعدهم لاستئصال التدين من الحياة البشرية، وإحلال الإلحاد كخيار وحيد لإنقاذ البشرية كما يدعون.
وفي مجال الإلحاد كثيرا ما تتردد على أسماعنا عدة مصطلحات التي يجب التفريق بينها: فهناك الملحد Atheist وهو المنكر للدين ولوجود الخالق، واللاديني وهو من لا يؤمن بدين وليس بالضرورة أن يكون منكرا للخالق، ومن هو ضد الدين Antitheist  وهو الملحد الحاقد الذي يتخذ موقفا عدائيا من الخالق والدين والمتدينين، والربوبي Diest وهو الذي يؤمن بأن الله قد خلق الكون ولكنه يُنكر أن يكون الله قد تواصل مع البشر عن طريق الديانات،  واللاأدرى Agnostic وهو الذي يؤمن بأن قضايا الألوهية والغيب لا يمكن إثباتها وإقامة الحجة عليها (كما لا يمكن نفيها) باعتبارها فوق العقل على الإدراك، والمتشكك Skeptic وهو كل من يرى أن براهين الألوهية لا تكفي لإقناعه وفي نفس الوقت لا يمكنه تجاهلها،  وأخيرا العلمانيSecularist  وهو من يؤمن ويدعو إلى إقامة الحياة على العلم المادي والعقل ومراعاة المصلحة بعيدا عن الدين، ومن ثم فهو اصطلاح سياسي لا علاقة له بعقيدة الفرد الدينية.
إلا أن كل هاته الفئات من الملاحدة جميعهم بكل أهوائهم وأدوائهم ينطبق عليهم حُكْمُ الرواية المغامراتية الخيالية "حياة باي" « Life of Pi » للكاتب الكندي 'يان مارتيل' التي تحكي في ثناياها نبأ حديقة الحيوان التي كُتب على أحد جدرانها باللون الأحمر: "هل تعلم ما هو الحيوان الأخطر في الحديقة؟" وبجوار السؤال رُسِمَ سهم صغير يُشيرُ ناحية سِتَارٍ من القُمَاشِ، وكان كثيرٌ من زُوَارِ الحديقة يتملكهم الفضول لمعرفة المكتوب أو الموجود خلف الستار، وما أن يزيحه أحدهم حتى يجد مرآة تنعكس عليها صورة وجهه!! وجه الحيوان الأخطر في الحديقة!!
أول رواية كتبها ألبير كامو  ونشرت بعد موته بسنوات كان عنوانها الموت السعيد، يحكي الجزء الأول منها عن رجل جزائري الأصل يعيش في ضيق وكرب شديد، يفتقد السعادة ولم تفتح له الفرحة قط بابها رغم الإلحاح في الطَّرْقِ، فأخبره صاحب عمله الـمُقْعَدِ على أن السعادة في المال معبود الملحدين، وأن المال يوفر له الوقت ليمارس ما يجلب سعادته، فقام بعد ذلك بقتل صاحب عمله واستولى على ماله، فبحث عن السعادة في السفر، في النساء، في العزلة، في الطبيعة وفي أي شيء يمكن أن يخطر على بال إنس أو جان فلم يجدها، ومازال الباب مغلقا والبحث ساريا، حتى أدرك أخيرا على فراش الموت أن السعادة تكمن في وجوده هو نفسه.
ومما يُحكى أن ملحدا مهزول البدن نحيفا حتى لا يكاد يُرى، قابل مؤمنا عظيم الجسم سمين اللحم فسأله عن معتقده، فأخبره بإيمانه بخالق يبعثه بعد الموت ويحاسبه على عمله، إن خيرا فالجنة وإن شرا فالنار، فقال له الملحد: "ويحك إنني لا أعتقد شيئا مما تقول إلا الموت وتراني في هذا الهزال والضعف، وأنت تعتقد ما تعتقد وأنت على هذه الحال من السمن؟"
وَسَأَلَ يَوْماً أَحَدُ الـمَلاَحِدَةِ النَّرْجِسِيِّينَ بِتَهَكُّمٍ وَاضِحٍ الشَّيْخَ أَحْمَدَ دِيدَاتْ رَحِمَهُ اللهُ: مَا هُوَ شُعُورُكَ لَوْ مُتَّ وَاكْتَشَفْتَ أنَّ الآخِرَةَ كَذِبٌ؟ فَأَجَابَ الشَّيْخُ عَلَى الفَوْرِ بِجَوَابٍ مُفْحِمٍ كَالسَّيْفِ القَاطِعِ: لَيْسَ أَسْوَأَ مِنْ شُعُورِكَ إِذَا مُتَّ وَاكْتَشَفْتَ أنَّ الآخِرَةَ حَقِيقَةٌ.


This post first appeared on ضفاف متوهجة, please read the originial post: here

Share the post

الحرب المفتوحة من الملاحدة على الله

×

Subscribe to ضفاف متوهجة

Get updates delivered right to your inbox!

Thank you for your subscription

×