Get Even More Visitors To Your Blog, Upgrade To A Business Listing >>

البقرة 18

"ينسى الناس أنهم فقدوا آباءهم بأسرع مما ينسون فقدانهم لنصيبهم في الميراث" 
                                                                              المفكر الفيلسوف والسياسي الإيطالي نيكولو ماكيافيلي
أوصى فلاح أن يوزع أبقاره الحلوب بين أبنائه الثلاثة، بحيث ينال الأكبر النصف، والأوسط الثلث، والأصغر التسع، وسلم الوصية لأحد جيرانه من أصدقائه القدامى الذين يثق فيهم ثقة كاملة، ونصحه بأن لا يسلمها لأولاده إلا يوم دفنه، وما هي إلا أيام معدودات حتى لفظ الفلاح أنفاسه الأخيرة، وبمجرد ما علم الأولاد بذلك هرعوا يبحثون عن الوصية في كل أرجاء البيت دون جدوى، وبعد يومين على وفاة الفلاح حضر المعزون ولم يجدوا في استقبالهم أحدا، غير أنهم وجدوا البيت في فوضى عارمة، وقد قلب الأولاد سافلته على عاليته بحثا عن الوصية.
وفي صبيحة اليوم الثالث حضر الفلاح العجوز حاملا الوصية، فدخل الفناء الداخلي للدار بعربة تجرها بقرة، فتقدم نحو الأولاد وقدم لهم تعازيه، ثم مد يده إلى جيبه وأخرج الوصية، فتلقفها الأولاد الثلاثة بسرعة، وما إن علموا بمحتواها حتى استشاطوا غضبا وأشبعول الفلاح العجوز شتما وأبرحوه ضربا، لأن القسمة التي تضمنتها الوصية صعبة  الحل لدرجة الاستحالة، فعدد الأبقار كان  17 رأسا، وحاصل قسمة هذا العدد على النصف وعلى الثلث وعلى التسع لا بد فيه من فاصلة، وكل منهم يريد عددا كاملا من الأبقار حسب ما جاء في الوصية بدون نقطة ولا فاصلة.
كان المعزون ما زالوا يتوافدون، بينما كان الأبناء منشغلين وهم ما زالوا في أثواب النوم بعد الأبقار وإعادة عدها، ثم سوقها يمنة ويسرة، مرة فرادى ومرة أخرى مجموعات لإيجاد حل لهذه المعضلة، بينما وقف الضيوف صامتين في حيرة من أمرهم، البعض من الفضوليين منهم كانوا يشاركون بمقترحات تافهة لا قيمة لها لتخفيف وطأة المصيبة.
وفي غمرة هذا الإحراج الشديد، الذي أخذ يزيد الأجواء حزنا وقتامة، بينما الأب المتوفى ما زال مسجى لم يعبأ به أحد، كما قال أبو العتاهية:
أبْقَيْتَ مـَـــــالَكَ مـِــــــــــــيراثاً لـِـــــــــــــوَارِثــــــهِ       فَلَيْتَ شِعْـــــرِي مَا أَبْقَى لَكَ الـــمَالُ؟
القَــــــــومُ بَعْدَكَ فِي حَالٍ تَسُـــــــــــــــرُّهُمُ       فَكَيْفَ بَعْـــــــدَهُـــمْ دَارَتْ بِكَ الحَـــالُ؟
مَلُّوا البُكَاءَ فَمَا يَبْكِيكَ مِنْ أَحَدٍ       وَاسْتَحْكَمَ القِيلُ فِي الِميـــــرَاثِ وَالقَالُ
تقدم الفلاح العجوز صديق الأب المتوفى وقدم البقرة التي تجر عربته للأبناء من أجل إكمال عدد 18 رأسا، ليكون قابلا للقسمة في آن واحد على النصف، والثلث والتسع، وتمنى من الأولاد الثلاث أن يعيدوا له بقرته إن زادت عن حاجتهم،  فهز الضيوف رؤوسهم مشفقين على الورثة وشاكرين للفلاح العجوز هذه الإلتفاتة الطيبة بالرغم من الأدى الذي أصابه.
توجه الجميع نحو الفناء الخارجي، وجرت القسمة دون إشكال بعد فك بقرة الفلاح العجوز من العربة وإضافتها إلى الأبقار 17، فنال الإبن الأكبر 9 أبقار، والأوسط 6، والأصغر 2، وحصل كل منهم على أكثر مما كان سيطالب به بموجب الوصية، وازدادت فرحتهم وإعجابهم عندما حلت بقرة الفلاح العجوز المشكلة المطروحة، وإذا جمعنا 9+6+2 سوف نجد 17 بقرة.
ووسط جو من الارتياح العام بعد وزيعة الإرث، تذكر أخيرا الجميع أن عليهم أن يدفنوا الأب الميت الذي كاد أن ينثن، ثم ساروا في موكب الجنازة، التي كانت تتقدمه البقرة  18 وهي تصيح مو ..مو ..مو، والأبناء الثلاث من خلفها  متهللي الوجوه يتكلمون بابتهاج غامر عن الحل السعيد، لقد كانت البقرة الثامنة عشرة ضرورية حقا  فيه كوسيط محساباتي بين الورثة.


This post first appeared on ضفاف متوهجة, please read the originial post: here

Share the post

البقرة 18

×

Subscribe to ضفاف متوهجة

Get updates delivered right to your inbox!

Thank you for your subscription

×