Get Even More Visitors To Your Blog, Upgrade To A Business Listing >>

معضلة المسلمين منذ وفاة خير المرسلين

"لو تمسك المسلمون بالقيم الإسلامية وعملوا بها لما كان هذا حالهم" 
                                                                    البروفيسور الكندي في مقارنة الأديان ويلفرد كانتويل سميث (1916-2000)
إن الدين والدولة من طبيعة متفاوتة، ولا يمكن أن يتلاءما، فالدولة تقوم على أساس القهر والتسلط والاستغلال، بينما يقوم الدين على أساس الرحمة والعدل والمساواة، وَجَـمْعُ الدين والدولة في جهاز واحد يشبه جمع الماء بالنار، فالحاكم العباسي مثلا كان يتبع طريق الازدواجية، إذا ما جاء وقت الوعظ بكى، وإذا ما جاء وقت السياسة طغى، وكان كل وزير أو أمير عباسي يخصص جزءا كبيرا من الأموال التي نهبها لبناء المساجد والتكايا للترفيه عن المرتزقة الذين يلجأون إليها من طلاب الفقه والعبادة، وكان الواعظ يُعْطَى على مقدار ما يتحذلق به من جيد اللفظ وبلاغة الأسلوب، إلا أن الواقع المرير الذي لا يمكن حجبه هو أن دين الرحمة والعدل والمساواة الذي جاء به المثل الأعلى محمد بن عبدالله (ص) دُفِنَ مع الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.
إن الوعظ مهنة سهلة على أي حال، فهي لا تحتاج إلا إلى حفظ بعض الآيات والأحاديث، ثم ارتداء الألبسة الفضفاضة التي تملأ النظر وتخلبه، ويستحسن في الواعظ أن يكون ذا لحية كبيرة كثة، وذا عمامة قوراء، ثم يأخذ بعد ذلك بإعلان الويل والثبور على الناس، فيبكي ويستبكي، ويخرج الناس من عنده وهم واثقون بأن الله قد رضي عنهم، وبنى لهم القصور الباذخة في جنة الفردوس.
ثم يأتي بعد ذلك المترفون الأغنياء والحكام فيغدقون على هذا الواعظ المؤمن، فيصبح مثلهم مترفا سعيدا، إنه يصلي بالأجرة، ويصوم بالأجرة، ويحج بالأجرة، وهو يريد من الناس جميعا أن يصوموا ويصلوا ويحجوا مثله، ناسيا أن الفقر والكفاح في سبيل الرزق قد أعمى الناس عن كل شيء سوى لقمة الزقوم، والواقع أن الوعاظ والطغاة من فصيلة واحدة، هؤلاء يظلمون الناس بأفعالهم، وأولئك يظلمون الناس بأقوالهم.
لقد كثر الوعظ في المجتمعات المسلمة حتى صار للمسلمين قلبان، يسمعون الموعظة بأحدهما، ويسمعون رنين النهود والنقود بالآخر، وأصبح الناس في هذه المجتمعات ذوو وجهين، فهم في أعمالهم يشبهون سائر الناس، ولكنهم يمتازون في أنهم يتواعظون ويتفقهون، ويتصافعون بالويل والثبور أكثر من غيرهم، ويبدون في أعمالهم بدو يحتقرون الضعيف ويحترمون القوي، وفي أفكارهم إفلاطونيون ينشدون المثل العليا، فإن أحبوا شخصا كانت قلوبهم معه وسيوفهم عليه.
والإنسان البدوي هو إنسان مشاغب حسود ميال إلى النزاع، فإذا لم يجد من ينازعه من الغرباء مال إلى النزاع مع إبن عمه أو أخيه، والطبيعة البدوية من طبيعة الحرب، والبدوي لا يفهم من دنياه غير التفاخر بالقوة والشجاعة والغلبة، وهذه تؤدي عادة إلى حب التعالي والكبرياء والرئاسة، ولا يخفى أن هذه الطبيعة البدوية تناقض تماما روح الإسلام الحنيف الذي خلق  الناس شعوبا وقبائل ليتعارفوا لا ليتنازعوا ويتقاتلوا ويتناحروا، واعتبر أن أكرم الناس عند الله هم أتقاهم وليسوا أقواهم أو أثراهم.
 إن الوعظ يجعل الناس أشداء في انتقاد غيرهم، فالمقاييس الأخلاقية التي يسمعونها من أفواه الوعاظ عالية جدا، ولا يستطيعون تطبيقها على أنفسهم، فيلجأون إلى تطبيقها على غيرهم بالإسقاط، وبذلك صنع الوعاظ في المجتمعات المسلمة أنماطا من السلوك فوق متناول البشر، وتركوها تركض وراءها من غير جدوى كمن يركض وراء السراب.
 ومن الممكن القول بأنه كلما كان الظلم الاجتماعي أشد وطئا، كان بناء المساجد وتشجيع الوعظ أكثر، فإذا بنى الظالم الغاصب مسجدا بنى الله له في الجنة قصرا فخما، والإنسان الذي ينشأ في بيئة اجتماعية معينة، ويُرَبَّى على تقاليدها ومقاييسها الفكرية يصعب عليه أن ينظر الأمور نظرا مجردا، فهو لا يفهم من الحقيقة إلا ذلك الوجه الذي يلائم عقده النفسية، وقيمه الاجتماعية، ومصالحه الاقتصادية، أما الوجوه الأخرى من الحقيقة فهو يهملها باعتبار أنها مكذوبة، أو من بنات أفكار الزنادقة، ولا يمكن أن يدنو من الحقيقة الكاملة إلا ذلك المتشكك الذي ينظر في كل رأي نظرة الحياد.
إن الوعظ يكون ذا ضرر بليغ في تكوين الشخصية إذا كان ينشد أهدافا معاكسة لقيم العرف الاجتماعي، وشر المجتمعات هو ذلك المجتمع الذي يحترم طريقا معينا في الحياة في الوقت الذي ينصح الواعظون فيه باتباع طريق آخر معاكس له، ولعلي لا أبالغ إذا قلت بأن العربي بدوي في عقله الباطن، مسلم في عقله الظاهر، فهو يمجد القوة والفخار والتعالي في أفعاله، بينما هو في أقواله يعظ الناس بتقوى الله وبالمساواة بينهم.
وحتى تلاميذ المدارس ابتلوا بصراع نفسي على منوال ما ابتلي به أسلافهم في صدر الإسلام، فهم يسمعون المواعظ والنصائح المثالية في المدرسة، فإذا خرجوا يلعبون في الأزقة وجدوا أنفسهم منجرفين في تيار قوي من الاعتبارات الاجتماعية التي تشبه اعتبارات البداوة إلى حد بعيد، فكيف يمكن لهذا التلميذ أن يوافق بين الاعتبارات البدوية في الأزقة والمواعظ في المدرسة، فإذا كبر هذا الفتى لاحقه الواعظون بمثلما كان معلمه يلاحقه في صغره، فهو يسمع المواعظ أينما ولى وجهه، هذا في الوقت الذي يجد فيه الحياة سائرة على نمط لا يلائم تلك المواعيظ ولا يماشيها مطلقا.
إن المفكرين العرب قد حلقوا في سماء الوعظ كثيرا، فلم يُقَرِّبُوا أسلوب وعظهم من الواقع الذي يعيش الناس فيه، لأن العقل البشري هو في الواقع كالنبتة التي تأخذ من مواد التربة ما يلائم مزاجها وترفض الباقي، وبهذا أصبحت هناك فجوة بين واقعية الحياة ومثالية الفكر عندهم، والنَّفْسُ البَشَرِيَّةُ تـَهْوَى الِإيـمَانَ بِدِينٍ، فَإِذَا فَقَدَتْ دِيناً جَاءَهَا مِنَ السَّمَاءِ، الْتَمَسَتْ لـَهَا دِيناً يَأْتِي مِنَ الأَرْضِ، والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
ضفاف متوهجة بتصرف عن 'وعاظ السلاطين'
لعالم الاجتماع العراقي علي الوردي رحمه الله


This post first appeared on ضفاف متوهجة, please read the originial post: here

Share the post

معضلة المسلمين منذ وفاة خير المرسلين

×

Subscribe to ضفاف متوهجة

Get updates delivered right to your inbox!

Thank you for your subscription

×